خصيصة الإسناد في الأمة

يعتبر الإسناد من أهم العلوم الشرعية المهمة، وأنّ الله سبحانه وتعالى شرّف هذه الأمة ومن عليها بسلسلة الإسناد واتصاله، فهو خصيصة فاضلةٌ لهذه الأمة وليس لغيرها من الأمم السابقة، وقد ورد في ذلك أن مُحَمَّد بن حاتم بن المظفر قال : (( إنّ الله أَكْرَمَ هَذِهِ الأمة وشرّفها وفضّلها بالإسناد ، وليس لأحد من الأمم كلها ، قديمهم وحديثهم إسنادٌ))، وقَالَ أبو علي الجياني: ((خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها الإسناد والأنساب والإعراب))، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا عن ابن عباس (( تَسْمَعُون ويُسْمَع منكم ويُسْمَع مِمَّنْ يَسْمَع منكم )).

وهذا الحديث دل على مسألة التسلسل في العلم وأنه ينقل جيلا بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن ثم رغّب النبي صلى الله عليه وسلم بنقل سنته إلى من بعده ودعا له بالنضارة فقال صلى لله عليه وسلم : ” نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها إلى من يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه”

وللإسناد أهمية عظيمة في تنقية وتصفية الأحاديث الصحيحة عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فيما قَالَ الْحَاكِم النيسابوري : (( فلولا الإسناد وطلب هَذِهِ الطائفة لَهُ ، وكثرة مواظبتهم عَلَى حفظه لدرس منار الإِسْلاَم ، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فِيْهِ بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد ، فإنَّ الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فِيْهَا كانت مبتراً …

ذكر الحاكم بسنده: عن عتبة بن أبي حكيم، أنه كَانَ عِنْدَ إسحاق بن أبي فروة ، وعنده الزهري ، قَالَ: فجعل ابن أبي فروة يقول: قَالَ رَسُوْل الله صلى الله عليه سلم ، فَقَالَ لَهُ الزهري : قاتلك الله يا ابن أبي فروة ، ما أجرأك عَلَى الله ، لا تسند حديثك ؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ، ولا أَزِمَّة)).

و قال سفيان بن عيينة: حدث الزهري يوما بحديث فقلت: هاته بلا إسناد فقال: الزهري أترقى السطح بلا سلم . وقال الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، بينما قال عبد الله بن المبارك : (( الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء )).

وعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِىُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا لِى لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِى أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلاَ تَسْمَعُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ.

قال أبو العباس أحمد القرطبي في المفهم: لأنَّهُ لمَّا كان مرجعُ الدينِ إلى الكتابِ والسُّنَّة ، والسنَّةُ لا تؤخذ عن كُلِّ أحد : تعيَّنَ النظرُ في حال النَّقَلَةِ ، واتِّصَالِ روايتهم ، ولولا ذلك ، لاختلط الصادقُ بالكاذب ، والحقُّ بالباطل ، ولمَّا وجَبَ الفرقُ بينهما ، وجَبَ النظرُ في الأسانيد.

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أن فائدة العناية بالإسناد خاصة في هذا العصر وقد دُوِنة كتب الحديث أنه إبقاء هذا الشرف الذي اختص الله به هذه الأمة دون الأمم السابقة ، فمن أخذَ عن أهل العلم فقد اتصل بالنبي صلى الله عليه و آله وصحبه وسلم بأسانيدهم.

وحيال ذلك قال ابن الصلاح رحمه الله في ((معرفة أنواع علوم الحديث)): وَصَارَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ بِمَا يُتَدَاوَلُ مِنَ الْأَسَانِيدِ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ إِبْقَاءَ سِلْسِلَةِ الْإِسْنَادِ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا، آمِينَ.

وقال ابن جماعة في ((المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي)): لَيْسَ الْمَقْصُود بالسند فِي عصرنا إِثْبَات الحَدِيث الْمَرْوِيّ وتصحيحه إِذْ لَيْسَ يَخْلُو فِيهِ سَنَد عَمَّن لَا يضْبط حفظه أَو كِتَابه ضبطا لَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِيهِ بل الْمَقْصُود بَقَاء سلسلة الْإِسْنَاد الْمَخْصُوص بِهَذِهِ الْأمة فِيمَا نعلم وَقد كفانا السّلف مؤونة ذَلِك فاتصال أصل صَحِيح بِسَنَد صَحِيح إِلَى مُصَنفه كَاف وَإِن فقد الإتقان فِي كلهم أَو بَعضهم.

وتأتي أهمية تلقي العلم من أفواه العلماء، من خلال معنى قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، بينما قال القرطبي في تفسيره : قال جابر بن عبد الله ومجاهد: (أولو الأمر) أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك رحمه الله، ونحوه قول الضحاك قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدين.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا.

قال بعض العلماء في معنى الأصاغر: إنما يراد به الذي يستفتى ولا علم عنده، وإن الكبير هو العالم في أي سن كان، وقالوا: الجاهل صغير وإن كان شيخًا، والعالم كبير وإن كان حدثًا، قال مالك رحمه الله: لكل علم رجال، وإنما يؤخذ كل علم من أهله.”

وقال القاضي بدر الدين ابن جماعه : وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الإطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ عن بطون الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق. قال الشافعي رضي الله عنه: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام. وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية تشيخ الصحيفة. أي الذين تعلموا من الصحف.

فيما ذكر السخاوي قائلا : والأخذ للأسماء والألفاظ من أفواههم أي العلماء بذلك الضابطين له ممن أخذه أيضا عمن تقدم من شيوخه وهلم جرا لا من بطون الكتب والصحف من غير تدريب المشايخ أدفع للتصحيف وأسلم من التبديل والتحريف فاسمع أيها الطالب ما أقوله لك وآداب أي حد في تلقيه عن المتقين وقد روينا عن سليمان بن موسى أنه قال : ( كان يقال لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي )، وقال ثور بن يزيد: ( لا يفتي الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي).

وقد استدل بعضهم بقول عمران لما حدث بحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم وقال له بشير بن كعب إن في الحكمة كذا حدثك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وتحدثني عن الصحف لذلك وروينا في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال: ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في الصحف فوقع عند غير أهله.

مواضيع ذات صلة

comments powered by Disqus